الأربعاء، ٢٤ يناير ٢٠٠٧

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة وإهداء
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفي ثم أما بعد
أخي الحبيب : حفظك الله وأبقاك وأمتع بك ، وجعل ما بيني وبينك من ود موصولا أبد الدهر ، فقد عرفتك صديقا لا يشوب صداقته زيف من شوائب الدنيا ، وعرفتك على تقادم العهود وتطاول الزمان أخًا ثابتا الإخاء وثيق النفس ، ليس كمن يدور بِخُلَّتِهِ بين الناس ملتمسا بها الغُنْم وباغيا بها النفع ، فكان ذلك – أيدك الله – مما أكبرك في عيني ، وأعظمك في نفسي ، وبسطني أن أقدم لك هذا البحث ولتعلم أيها السَّمِيّ الكريم أني أحفظ لك في نفسي مثل ما تحفظ لي من وفاء ، وأطوي لك صدري على مثل ما تطوي من ولاء " [1] " .
بين يديك أخي الآن بحث شيق في مسألة شائكة كثير النزاع والاختلاف حولها - واعلم أن هذا الاختلاف من مميزات مرونة الفقه الإسلامي ، ومن أهم مميزاته لأنه معطاء لا جدب ولا معقد بل واسع يسمع لكل الآراء ويناقشها بسعة صدر وموضوعية علمية .
ولقد قال بعض الدعاة : إن هذا الأمر فتنة لكي يطلع الله على ما في القلوب من ميل إلى الشهوات أو البعد عن الشبهات فلقد كان يمكن أن يقطع الله عز وجل الأمر بالحل أو الحرمة ولكنها فتنة لكل مكلف شاء أم أبى فليختر لنفسه العاقل ما فيه سلامته ونجاته عند العرض الأكبر ، والموعد الله للفصل بين العباد وكل امرئ حسيب نفسه .

واعلم أن الحجة القوية لأهل العلم الفضلاء المخلصين الذين لا يألون جهدا في نصح الأمة والذب عن أعراضها وبيان الحق للناس لا يزالون قائمين بأمر الله إلى قيام الساعة ، فإليك هذا البحث الذي يدعوك من قريب أو من بعيد إلى أن تحرص على العلم النافع في كل المجالات وألا تقلد في دينك أحدا بل تخضع للدليل والحجة الإلهية والله الموفق .

وأخيرا ( اقرأها وأعطها لغيرك ولا تكتم العلم فتأثم ، ولا تنس الدعاء
لمن أهداها إليك ولمن كتبها )
حكم الغناء
آراء العلماء في الغناء : -
اختلف العلماء في حكم الغناء على ثلاثة أقوال : -
الأول : ذهب الحنفية في قول " [2]" والحنابلة في رواية " [3] " إلى تحريم الغناء مطلقا - كان مجردا عن الآلة أو معها وأن الاستماع إليها معصية .

الثاني : وذهب إليه بعض الحنفية " [4] " والمالكية " [5] " والشافعية " [6] " وهو اختيار القاضي من الحنابلة "[7] " وأكثر البصريين " [8] " إلى أن الغناء إن وقع بمجرد صوت الإنسان من غير أن يصاحبه آلة فهو مكروه وسماعه مكروه كذلك إن قصد فإن لم يقصد السماع لم يكره " [9] " وإن صاحبه آلة لهوٍ كان فعلا وسماعا مع اختلاف بينهم في بعض الآلات :

فالحنفية : يرون أن الملاهي كلها محرمة وفي الدف خلاف فقيل مباح مطلقا في العرس وغيره وقيل لا يجوز في غير النكاح ، وقيل يكره مطلقا " [10] ".
أما المالكية : فالملاهي كلها محرمة ما عدا الدف المدور والكبر في العرس والوليمة ويكون ذلك عند النساء دون الرجال " [11] " .

أما الشافعية : فما كان من الآلات من شعار شاربي الخمر وهو مطرب كالطنبور والعود فإنه يحرم استعماله واستماعه : وفي اليراع – الزمارة التي ليس لها بوق كالصفارة ونحوها وجهان بالحل والحرمة والأصح التحريم ، وأما الدف فمباح في العرس والختان ، وفي غيرها خلاف لأصح الحل ، وأما الطبولة فضربها مباح إلا الكوبة وهي طبل طويل ضيق الوسط واسع الطرفين أو أحدهما "[12] ".

أما الحنابلة : فالملاهي عندهم على ثلاثة أضرب : محرم وهو ضرب الأوتار والنايات والمزامير كلها والعود والطنبور والرباب ، وضرب مباح وهو الدف في النكاح وفي غيره وجهان ، أرجحهما الحل ، ويكره للرجال مطلقا . وضرب مكروه وهو القضيب وقيل القصبة إذا انضم إليه محرم كالتصفيق والغناء والرقص وإلا لم يكره ؛ لأنه ليس بآلة طرب " [13] ".

وأما الزيدية : فالملاهي حرام كلها الطنبور والبربط والمزمار والمعازف والرباب ولا يحل إلا الطبل " [14] "



* * * ( اقرأها وأعطها لغيرك ولا تكتم العلم فتأثم ، ولا تنس الدعاء
لمن أهداها إليك ولمن كتبها )
القول الثالث : وذهب إليه الخلال وأبو بكر عبد العزيز من الحنابلة " [15] " وهو قول سعد بن إبراهيم والعنبري وكثير من أهل المدينة " [16] " وقال به الغزالي من الشافعية " [17] " وهو قول الظاهرية " [18] " ومروي عن كثير من الصحابة والتابعين " [19] " أن الغناء مباح مطلقا فعلا وسماعا ولا كراهة فيه :

الأدلــــة :
استدل كل فريق لما ذهب إليه بأدلة كثيرة نوضحها على النحو التالي :

أدلة القائلين بالحرمة :
للقائلين بالحرمة أدلة كثيرة من القرآن والسنة :

أولا أدلتهم من القرآن : استدلوا من القرآن بما يلي :
1 – قال تعالى : ) ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ( لقمان 6 .
قال العلماء لهو الحديث في الآية هو الغناء ، ذهب إلى ذلك ابن مسعود ، وحلف على ذلك بالله الذي لا إله إلا هو – يرددها ثلاثا – وهو مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي ، كما روي عن ابن عمر وعكرمة ومكحول " [20] " إذا أثبت أن لهو الحديث هو الغناء كان الغناء حراما ؛ لأن الله توعد من يفعل ذلك بالعذاب المهين ، ولا يتوعد إلا على فعل معصية .

ويناقش هذا الاستدلال من أوجه :
الأول : أن لهو الحديث في الآية مختلف فيه فمن العلماء من قال : المراد به الكفر والشرك ، ومنهم من قال : إن المراد به الأحاديث التي يتلهى بها أهل الباطل واللعب كما فعل النضر بن الحارث عندما اشترى كتب الأعاجم رستم واستفنديار وكان يجلس بمكة فإذا قالت قريش : إن محمدا قال كذا ضحك منه وحدثهم بأحاديث ملوك الفرس ، وكان ذلك سببا في نزول الآية " [21] " فإذا ثبت أن لهو الحديث في الآية يحتمل كل هذه المعاني لم يكن في الآية دليل على التحريم ؛ لأن حمله على الغناء ليس بأولى من حمله على تلك الأمور .

الثاني : أن نص الآية يبطل الاحتجاج بها على تحريم الغناء ؛ لأن فيها " ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا " وهذه صفة من فعلها كان كافرا بلا خلاف ، ولو أن امرئ اشترى مصحفا ليضل به عن سبيل الله ويتخذها هزوا لكان كافرا ، فهذا هو الذي ذمّه الله ، وما ذم قط من اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروِّح عن نفسه لا ليضل عن سبيل الله "[22] " .

الثالث : أن ما روي عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من تفسير اللهو بالغناء لا حجة فيه ؛ لأنه لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة والتابعين " [23] " .

* * * ( اقرأها وأعطها لغيرك ولا تكتم العلم فتأثم ، ولا تنس الدعاء
لمن أهداها إليك ولمن كتبها )
2 – كما استدلوا لتحريم الغناء بقوله تعالى في سورة النجم ) وأنتم سامدون ( آية 61 .
وروي عن ابن عباس قال : هو الغناء وهو كلمة يمانية . اسمد لنا أي غنِّ لنا ، فكانوا إذا سمعوا القرآن يتلى تغنوا ولعبوا حتى لا يسمعوا ، والسمود اللهو ، والسامد اللاهي ، يقال : للقينة : أسمدينا أي الهينا بالغناء " [24] " فكان اللهو بالغناء محرما بهذه الآية حيث ذم الله سبحانه مَن هذه صفته .

ويجاب عن هذا الاستدلال :
بأنه قد ورد عن ابن عباس أيضا أن سامدون بمعنى لاهون معرضون " [25] " كما روي عن الضحاك أن " سامدون " بمعنى شامخون متكبرون .

وفي الصحاح " [26] " سمد سمودا رفع رأسه تكبرا وكل رافع رأسه فهو سامد . إذا ثبت هذا لم يكن في الآية دلالة على تحريم الغناء ؛ لأن الذي ذمه الله هو من يعرض عن القرآن والإيمان به تكبرا وعنادا .

3 – كما استدلوا على تحريم الغناء أيضا بقوله تعالى : ) والذين لا يشهدون الزور ( سورة الفرقان 72 .
روي عن ابن الحنفية أنه قال : هو الغناء ، وكذلك قال مجاهد " [27] " إذا ثبت هذا كان الغناء واللهو به حراما ؛ لأنه مأمور باجتنابه والمنهي عنه حرام .


ويناقش هذا الاستدلال :
بأن المفسرين ذكروا في قول الزور وجوها غير الغناء ، فذكروا منها الكذب والبهتان وشهادة الزور ، وقول المشركين هذا حلال وهذا حرام افتراء على الله ونحو ذلك " [28] " إذا ثبت هذا لم يكن في الآية دليل على تحريم الغناء فبطل الاحتجاج بها .

4 – كما استدلوا لتحريم الغناء واللهو بقوله تعالى : ) واستفزز من استطعت منهم بصوتك ( الإسراء 64 .
ذكر مجاهد والضحاك أن صوته هو الغناء والمزامير واللهو " [29] " وكان آدم قد أسكن أولاد هابيل أعلى الجبل وأولاد قابيل أسفله وفي بنات حسان قزمر العين فلم يتمالكوا أن انحدروا فزنوا ……. ذكره الغزنوي " [30] "

إذا ثبت هذا كان الغناء والمزامير من فعل الشيطان فكان اجتنابه واجبا .

ويناقش هذا الاستدلال :
بأنه روي عن ابن عباس أن صوته هو دعاؤه إلى معصية الله وكل داع يدعو إلى ذلك ، وقيل المراد بصوته وسوسته " [31] " وعلى هذا لم يكن في الآية دلالة على تحريم الغناء فبطل الاحتجاج بها .


* * * ( اقرأها وأعطها لغيرك ولا تكتم العلم فتأثم ، ولا تنس الدعاء
لمن أهداها إليك ولمن كتبها )
ثانيا : أدلتهم على تحريم الغناء من السنة :
استدل القائلون بتحريم الغناء من السنة بأدلة كثيرة نذكر منها :
1- روي عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل ثمن المغنية ولا بيعها ولا شراؤها ولا الاستماع إليها " [32] " وفي رواية أخري قال : " لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام في مثل هذا نزلت هذه الآية " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله "[33] ".

2- كما روي عن أبي أمامة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات "[34] " يعني البرابط
" [35] " والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية " [36] "

فقد دلت هذه الروايات على حرمة بيع المغنية وشراؤها والاستماع إليها ، والعلة في التحريم هي الوصف بالتغني فدل ذلك على أن الغناء حرام ؛ لأنها لو لم تكن مغنية ما حرم بيعها ولا شراؤها إذ هي مال .

ومما يؤيد هذا :
أن الإمام أحمد سئل عن رجل مات وخلف ولدا يتيما وجارية مغنية فاحتاج إلى بيعها قال : تباع ساذجة – غير مغنية – قيل : إنها إذا بيعت على أنها مغنية ساوت ثلاثين ألفا وإن بيعت على أنها ساذجة لا تساوي إلا عشرين . قال : تباع ساذجة " [37] ".

فلو لم يكن الغناء محظورا ما أجاز تفويت المال على اليتيم . كما دلت الروايات أيضا على تحريم استخدام المعازف والمزامير والكبارات والاستماع إليها ، إذ لو كانت حلالا ما أمر بكسرها .

ويناقش هذا الاستدلال بما يلي : -
أن هذه الروايات لا تصلح للاحتجاج بها . إذ هي من رواية عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم بن محمد عن أبي أمامة … أما عبيد الله بن زحر فقال عنه البخاري : ثقة ، وقال ابن معين : ضعيف ، وقال مرة : ليس بشيء ، وقال ابن المديني منكر الحديث ، وقال الدارقطني : ليس بالقوي ، وقال ابن حبان : روى موضوعات عن الأثبات ، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات ، وعلي بن يزيد تكلم فيه بعض أهل العلم وضعفه " [38] " وإذا بطل الاحتجاج بقي الغناء على أصل الحل وهو المدَّعَى .

3 – كما استدل القائلون بتحريم الغناء من السنة أيضا بما روي عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا فعلت أمتي خمسة عشر خصلة حل بها البلاء … وفيه وشربت الخمور ولبست الحرير واتخذت القيان والمعازف " [39]" .
دل الحديث على تحريم الغناء والمعازف حيث جمعها مع الخمور وغيرها من الخصال الذميمة ورتب عليها حصول البلاء فلو كانت حلالا ما جمع بينها وبين الخمر
ولِمَا ترتب على حدوثها حصول البلاء .

ويجاب عن هذا الاستدلال :
بأن الحديث لا يصلح للاحتجاج به على تحريم الغناء حيث قال الترمذي عنه بعد تعداد الخصال : هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه ، ولا نعلم أحدا رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرَج بن فضالة وهو مُتَكَلَّمٌ فيه وقد ضعفه البعض من قِبل حفظه كما أن في رواته مجاهيل " [40] ".

5 – كما استدلوا بما روي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الغناء ينبت النفاق في القلب " [41] " دل ذلك على أن الغناء حرام ؛ لأن النفاق حرام وما أدى إلى الحرام فهو حرام .

وأجيب عن هذا الاستدلال :
بأن هذا الحديث روي مرفوعا وموقوفا على ابن مسعود أو إبراهيم والوقف أصح قال ابن طاهر : أصح الأسانيد في ذلك أنه من قول إبراهيم " [42] " فالمرفوع لا يصح الاحتجاج به ؛ لأنه عن شيخ مجهول لم يسمَّ .

أما الموقوف فلا حجة فيه أيضا ؛ لأنه لا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولأنه قول صحابي أو تابعي وقد خالفه غيره من الصحابة والتابعين " [43] " فلم يكن فيه حجة على تحريم الغناء ، وعلى فرض صحته والاحتجاج به فإنه لا يدل على التحريم ؛ لأن المراد أنه ينبت النفاق في قلب المغني ، إذ غرضه أن يروج صوته على الناس ولا يزال ينافق ويتودد إليهم ليرغبوا في غنائه ، وذلك لا يوجب تحريما ؛ لأن لبس الثياب الجميلة وركوب الخيل وسائر أنواع الزينة تنبت في القلب النفاق والرياء ، ولا يقال بتحريم كل ذلك ، فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرا " [44] " .

6 – ومن الأدلة على تحريم الغناء أيضا ما روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ومن قعد إلى قينة يسمع صُبَّ في أذنه الآنك ( وهو الرصاص المذاب )
" [45] " .

7 – كما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " استماع الملاهي معصية والجلوس عليها فسق والتلذذ بها كفر " [46] "
دلت هذه الرواية على تحريم الغناء واستماعه والجلوس عليه وذلك هو المدَّعَى .

ويناقش هذا الاستدلال بما يلي :-
أن هذه الرواية لا تصلح للاحتجاج بها على تحريم الغناء ، قال ابن حزم : " ولا يصح في هذا الباب شيء أبدا وكل ما فيه فموضوع " [47] " .

8 – ومن الأدلة على التحريم أيضا : ما روي عن ابن عمر أنه سمع صوت زمارة راعٍ فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول يا نافع أتسمع ، فأقول نعم فيمضي حتى قلت : لا فرفع يده وعدل راحلته إلى الطريق وقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع زمارة راع فصنع مثل هذا " [48] " .

دل هذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن ابن عمر على تحريم الغناء والمزامير إذ لو كان حلالا ما وضع إصبعيه في أذنيه ولَما حاد عن الطريق حتى لا يسمع .

ويناقش هذا الاستدلال من وجوه :
الأول : أنه حديث ضعيف قال عنه أبو داود : إنه حديث منكر " [49] "
ويجاب بأن الخلال رواه بإسناده من طريقين فلعل أبا داود ضعفه لأنه لم يقع له إلا من أحد الطريقين " [50] " .


الثاني : أن في الحديث دليلا على إباحة الغناء لا على حرمته ، وبيانه " " أنه لو كان سماعه حراما لَما أباحه النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر ولا أباحه ابن عمر لنافع ولا نهى عنه ، ولا أمر بكسر الآلة ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وأما سَدُّهُ صلى الله عليه وسلم لأذنيه فيحتمل أنه تجنبه كما كان يتجنب كثيرا من المباحات .

ويجاب عن هذا الاعتراض :
بأن المحرَّم هو استماعها دون سماعها ، والاستماع غير السماع ، ولهذا فرّق الفقهاء في سجود التلاوة بين السامع والمستمع ، فلا يجب على من سمع شيئا محرما أن يسد أذنيه ، والمستمع هو الذي يقصد السماع ، ولم يوجد هذا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ابن عمر وإنما وجد منهما السماع ، ثم إن هذا السماع إنما أبيح للضرورة لأن بالنبي صلى الله عليه وسلم حاجة إلى معرفة انقطاع الصوت عنه ؛ لأنه عدل عن الطريق وسد أذنيه فلم يكن ليرجع إلى الطريق ولا يرفع إصبعيه عن أذنيه حتى ينقطع الصوت عنه فأبيح السماع للحاجة .

ثم إن عدم إنكار ذلك على الراعي من النبي صلى الله عليه وسلم راجع إلى أن ذلك كان في أول الهجرة حين لم يكن الإنكار واجبا ، أو كان قبل إمكان الإنكار لكثرة الكفار وقلة أهل الإسلام " [51] " .

وقد أجاب المجوزون على هذا التعليل :
بأن ابن عمر إنما صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة بعد ظهور الإسلام وقوته فَتَرْك الإنكار فيه دليل على عدم تحريمه " [52] " .

* * * ( اقرأها وأعطها لغيرك ولا تكتم العلم فتأثم ، ولا تنس الدعاء
لمن أهداها إليك ولمن كتبها )
9 – ومن الأدلة التي استدلوا بها على تجريم الغناء :
ما روي عن ابن عمر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حرّم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وكل مسكر حرام " [53] " . فقد دل الحديث على تحريم الكوبة . بضم الكاف وسكون الواو ، والمراد بها الطبل وهو من آلات اللهو ، فكان الطبل حراما بالنص وهو المدعى .

ويناقش : بأن الحديث في إسناده الوليد بن عبدة الراوي له عن ابن عمر وهو مجهول " [54] " .
ويجاب : بأن الحديث وإن كان معلولا إلا أنه يشهد له ما أخرجه البيهقي وأحمد من حديث ابن عباس بنحوه ، فصلح الحديث للاحتجاج به " 2 " .

10- ومن الأدلة على تحريم الغناء ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة : ملاعبة الرجل أهله ، وتأديبه فرسه ، ورميه عن قوسه " [55] " فقد دل الحديث على تحريم الغناء إذ هو من جملة اللهو الباطل
والباطل في النار .

ويجاب : بأن لفظ باطل لا يدل على التحريم ، بل يدل على عدم الفائدة ومن لا فائدة منه إنما هو من قسم المباحات ، ثم إن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في المسجد خارج عن هذه الثلاثة وليس بحرام " [56] " .

وإن سُلم أنه يراد بالباطل الحرام فإن في الحديث اضطرابا لا يصلح معه للاحتجاج ، وفي رواته مجهولون " [57] " .

11- ومن الأدلة أيضا ما روي عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف فقال رجل من المسلمين : يا رسول الله ومتى ذلك قال إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور " [58] " .

دل الحديث على تحريم المعازف والغناء ؛ لأنها تكون سببا في حدوث الخسف والمسخ ، وذلك العقاب لا يكون إلا على فعل الحرام ، إذ الحلال لا يكون سببا في حلول العقاب .

ويناقش : بأنه لا يصلح للاحتجاج به حيث أخرجه الترمزي " [59] " من طريقين :
الأول : عن عبادة بن يعقوب عن عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن هلال بن يساف عن عمران بن الحصين . ثم روي من طريق الأعمش عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي صلي الله عليه وسلم مرسلا ثم قال وهذا حديث غريب .

12- روي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب ثم يصبحون قردة وخنازير وتبعث على أحياء من أحيائهم ريح فتنسفهم كما نسف من كان قبلكم باستحلالهم الخمر وضربهم بالدفوف واتخاذهم القينات " [60] " .
دل الحديث على تحريم الغناء واتخاذ القينات وضرب الدفوف ، إذ كل ذلك سبب لحدوث العذاب وسخط الله .
ويناقش : بأن الحديث لا يصلح للاحتجاج لأنه من رواية فرقد بن السبخي ، وهو ضعيف والحارث بن نبهان لا يُكتب حديثه " [61] " .

13- ومن الأدلة على التحريم أيضا ما روي عن أبي عامر وأبو مالك الأشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر" [62] " والحرير والخمر والمعازف " [63] " وفي رواية ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير " [64] " .

دل الحديث على تحريم جميع أفراد المذكور فيه من الخمر والزنا والغناء واستعمال آلات اللهو حيث ترتب على فعل ذلك حدوث العقاب وهو خسف الأرض بهم أو جعلهم قردة وخنازير وهذا العقاب لا يكون إلا على فعل محرم .

وقد نوقش هذا الاستدلال من وجوه : -

الأول : أن هذا الحديث منقطع فيما بين البخاري وصدقة بن خالد فلا يحتج به .

ويجاب عن ذلك من أوجه :
أ - أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه فإذا قال : قال هشام فهو بمنزلة قوله عن هشام " [65] " .

ب - وعلى فرض أنه لم يسمع منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد صح عنه أنه حدث به ، وهذا كثير ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشهر به فالبخاري أبعد خلق الله من التدليس " 4 " .


جـ - أن الحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح ، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندا متصلا " [66] " .

د - وعلى فرض أن الحديث منقطع عند البخاري فهو صحيح متصل عند غيره فقد رواه أبو داود في باب اللباس عن عبد الوهاب بن نجدة عن بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد عن عطية بن قيس عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري عن أبي عامر أو أبي مالك فذكره مختصرا ، كما أخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي مالك الأشعري بسند صحيح " [67] " .

الثاني : أن في إسناد الحديث صدقة بن خالد وقد ضعفه يحي بن معين " [68] " .
ويجاب : بأن هذا الاعتراض ساقط لأن صدقة بن خالد ثقة عند الجميع ، أما صدقة الذي ضعفه يحي بن معين وغيره فهو صدقة بن عبد الله السمين وهو أقدم من صدقة بن خالد وقد شاركه في كونه دمشقيا " [69] " .

الثالث : أن الحديث مضطرب سندا ومتنا ، أما السند فللشك في اسم الصحابي ، وأما المتن فلأنه روي مرة بلفظ ليكونن ومرة بلفظ ليشربن ، وفي بعض الروايات يستحلون وفي بعضها بدونه ، وفي رواية الحر ، بمهملتين وفي أخرى الخز بمعجمتين " [70] " .

ويجاب عن هذا :
أما دعوى الاضطراب في السند فمردودة حيث رواه أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي مالك بغير شك ، ورواه أبو داود من حديث أبي مالك وأبي عامر جميعا ، ثم على
تقدير أن يكون المحفوظ هو الشك ، فالشك في اسم الصحابي لا يضر " [71] " .
وأما دعوى الاضطراب في المتن فيجاب عنها بأن ذلك غير قادح في الاستدلال لأن الراوي قد يترك بعض ألفاظ الحديث تارة ويذكرها أخرى " [72] " .

الرابع : أن لفظة المعازف التي هي محل الاستدلال ليست عند أبي داود فاحتمل أن تكون زائدة .
ويجاب : بأنه ذكرها غيره وثبتت في الصحيح والزيادة من العدل مقبولة " [73] " .

الخامس : سلمنا بصحة الحديث لكن لا نسلم دلالته على التحريم ، لأن لفظ يستحلون ليست نصا في التحريم ، فقد تكون بمعنى يعتقدون أن ذلك حلال ، وقد تكون مجازا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور " [74] " .

ويجاب : بأن الوعيد على الاعتقاد يُشعر بتحريم الملابسة بفحوى الخطاب ثم إن الأصل هو الحمل على الحقيقة ولا مُلجئ إلى الخروج عنها .

السادس : أن لفظة المعازف مختلف في مدلولها حيث قيل: إن المراد بها آلات الملاهي وقيل المراد بها الغناء ، وقيل الدفوف ، وإذا كان اللفظ محتملا لأن يكون للآلة ولغيرها لم ينتهض للاستدلال ، لأنه إما أن يكون مشتركا فيكون الراجح فيه هو التوقف ، أو يكون حقيقة ومجازا ، ولا يتعين المعنى الحقيقي .

ويجاب : بأنه يدل على تحريم استعمال ما صدق عليه الاسم ، والظاهر الحقيقة في الكل من المعاني التي ذكرها أهل اللغة ، ولا يكون من قبيل المشترك ؛ لأن اللفظ لم يوضع لكل واحد على حده بل وضع للجميع ، على أن الراجح هو جواز استعمال المشترك في جميع معانيه مع عدم التضاد " [75] " .

السابع : يحتمل أن المعازف المنصوص على تحريمها هي المقترنة بشرب الخمر .

ويجاب : بأن هذا باطل ؛ لأن الاقتران لا يدل على أن المحرم هو الجمع فقط وإلا لزم أن الزنا المصرح به في الحديث لا يحرم إلا عند شرب الخمر واستعمال المعازف وهو باطل بالإجماع " [76] " .

وإن سُلم : أن الوعيد على جميع هذه الأفعال فإن لكل واحد منها قسطه في الذم والوعيد " [77] " .

14- ومن أدلة التحريم : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج مع عبد الرحمن بن عوف ليعود ولده ابراهيم ، وهو يجود بنفسه فوضعه في حجره ففاضت عيناه فقال عبد الرحمن : أتبكي وأنت تنهى الناس ؟ قال : " إني لم أنهى عن البكاء وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب " [78] " .

فقد وصف الغناء بأنه صوت أحمق فاجر ومزامير الشيطان وذلك يدل على تحريمه قال ابن قيم الجوزية " [79] " : إن لم يُستفد التحريم من هذا لم تستفده من نهي أبدا .

الأدلة من المعقول : -
أما أدلتهم على تحريم الغناء من المعقول :
فمنها أن الغناء إما حق ، وإما باطل ولا ثالث لهما .
وقد قال الله سبحانه وتعالى : ) فماذا بعد الحق إلا الضلال ( سورة يونس 32 .
ولاشك أنه ليس من الحق فكان من الباطل والله سبحانه سمى غير الحق ضلالا .

سئل القاسم بن محمد عن الغناء فقال : " هو باطل " فقال كيف ترى فيه فقال له : أرأيت الباطل أين هو ؟ قال في النار قال فهو ذاك .

وسئل ابن عباس ما تقول في الغناء أحلال هو أم حرام ؟ فقال لا أقول حراما إلا ما في كتاب الله فقال : أحلال هو ؟ فقال ولا أقول ذلك ثم قال : أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة . فأين يكون الغناء ؟ فقال الرجل : يكون مع الباطل فقال ابن عباس : اذهب فقد أفتيت نفسك " [80] " .

ويجاب : عن هذا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " [81] " فمن نوى باستماع الغناء عونا على معصية الله فهو فاسق ومن نوى ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله وينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن وفعله هذا من الحق ، ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه كخروج الإنسان إلى بستانه متنزها " [82] " .

ثانيا : أدلة أصحاب القول الثاني :
استدل القائلون بكراهة الغناء بغير آلة وحرمته مع الآلة بنفس الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول القائلين بالتحريم مطلقا فلا حاجة إلى إعادتها ، وإنما لم يقولوا بالتحريم مطلقا ؛ لأن دلالة الآيات والأحاديث على التحريم غير قطعية ولكون أكثر هذه المرويات قد طُعِنَ في صحتها ، لذلك روي عن الشافعي قوله في رجل يغني فيتخذ الغناء صنعة يؤتى عليه ويؤتى له ويكون منسوبا إليه مشهورا به معروفا : " لا تجوز شهادته والمرأة كذلك . وذلك أنه من اللهو المكروه الذي يشبه الباطل ، وأن من صنع ذلك كان منسوبا إلى السفه وسقاطة المروءة ، ومن رضي بهذا لنفسه كان مستخفا وإن لم يكن محرما بَيِّن التحريم " [83] " .

ثالثا : أدلة القول الثالث :
استدل القائلون بحِلِّ الغناء مطلقا بأدلة من القرآن والسنة والمعقول .

أولا : أدلتهم من القرآن بما يلي :
أ - قال تعالى : ) ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ( الأعراف 157 .
وجه الدلالة من الآية أن الطيبات جمع مُحَلَّى بالألف واللام فيشمل كل طيب ، والطيب يطلق على المستلذ وهو الأكثر المتبادر إلى الفهم عند التجرد عن القرائن ، كما يطلق على الطاهر ، وعلى الحلال ، وصيغة العموم كلية تتناول كل فرد من أفراد العام فتكون الأفراد الثلاثة داخلة في العموم ، فكانت الآية دالة على حل المستلذ والمستطاب ومن جملة ذلك الغناء وآلاته " [84] "

ويناقش هذا الاستدلال :
بأنه وإن سُلم أن الأصل في الأشياء الحل إلى أن يرد دليل يدل على التحريم فقد قامت الأدلة على تحريم الغناء والاستماع إليه وإن كانت لا تخلو من مقال إلا أنها إذا ضُم بعضها إلى بعض قويت ولا سيما وقد حسن بعضها فأقل أحوالها أن تكون من قسم الحسن لغيره " [85] " .

وعلى فرض عدم دلالتها على التحريم فلا أقل من أن تدل على أن الغناء من الأمور المشتبه فيها ، والمؤمن مأمور بترك الشبهات ، لذلك لا تصلح الآية دليلا على حِلّ الغناء .

* * * ( اقرأها وأعطها لغيرك ولا تكتم العلم فتأثم ، ولا تنس الدعاء
لمن أهداها إليك ولمن كتبها )
ب - كما استدلوا بقوله تعالى : ) خلق لكم ما في الأرض جميعا ( البقرة 29 .
دلت الآية على أن الأصل في الأشياء هو الإباحة حتى يقوم الدليل على الحظر " [86] "
ولم يقم دليل على تحريم الغناء وسماعه فبقي على الأصل .

ويناقش هذا الاستدلال :
بما نوقش به الاستدلال السابق بأنه قام الدليل على التحريم فكان خارجا عن موضوع الآية .

ثانيا : أدلتهم من السنة : استدلوا على حل الغناء وسماعه من السنة بما يلي :
الدليل الأول : روي عن عائشة رضي الله عنها أنه دخل عليها أبو بكر رضي الله عنه وعندها جاريتان تغنيان بغناء بعاث فانتهرهما وقال أمزمارة "[87] " الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا " [88] " .

وفي بعض طرق الحديث أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدفان وتضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه " [89] " فقد دل الحديث على أن الغناء واللعب ليس بحرام حيث رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للجاريتين في الغناء والضرب بالدف وسمع ذلك منهما ، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أنكر على أبي بكر قوله " أمزمار الشيطان عند رسول الله " فصح أن ذلك مباح مطلق لا كراهة فيه ، في أوقات السرور كلها قياسا على يوم العيد ، لأنه وقت سرور " [90] " .

ويناقش هذا الاستدلال من وجوه :
الأول : قولكم بإباحة الغناء بآلة أو بغير آلة وإباحة سماعه احتجاجا بهذا الحديث مردود بما روي عن عائشة أنها قالت دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان تغنيان بما تقاولت به الأنصار ، يوم بعاث قالت : " وليستا بمغنيتين " [91] " حيث نفت عنهما بطريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت ، وعلى الترنم الذي يسميه العرب النَصْب بفتح النون وسكون المهملة ، وعلى الحداء ، ولا يسمى فاعله مغنيا وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير " [92] "

فإن قيل : إنها قالت " إنهما كانتا تغنيان " فالغناء منهما قد صح وإن قولها
" ليستا بمغنيتين " أي ليستا بمحسنتين " .

قلنا أن : معنى ليستا بمغنيتين ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك فكان هذا منها تحرزا عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن وهذا لا خلاف في تحريمه إن كان بشعر فيه وصف محاسن النساء والخمور ونحوهما " [93] " .

الثاني : إنهن كن ينشدن الشعر ، ويسمى ذلك غناء لنوع يثبت في الإنشاد من ترجيع ، وذلك لا يخرج الطباع عن الاعتدال " [94] " .

الثالث : إنهن كن صغيرات ، ولم ينقل عن عائشة بعد بلوغها إلا ذم الغناء وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه وقد أخذ العلم عنها " [95] " .

الرابع : أن أبا بكر سمى ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه ذلك وإنما منعه من التغليظ في الإنكار ، ولحسن وقعه ، لا سيما في يوم العيد " [96] " .

الخامس : أن ذلك الحكم –وهو إباحة الغناء – خاص بيوم العيد فلا يقاس عليه غيره لأن أبا بكر أنكر عليهما الغناء لما تقرر عنده من منعه ، فأوضح له النبي صلى الله عليه وسلم الحال وعرفه الحكم مقرونا ببيان الحكمة بأنه يوم العيد – أي يوم سرور شرعي – فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في العرس فاقتصر فيه على محل النص ويبقى غيره على أصل المنع " [97] " .

الدليل الثاني :
كما استدلوا على إباحة الغناء وسماعه بآلة وغيرها بما روي عن ابن عمر أنه سمع زمارة راعٍ فوضع إصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول يا نافع
أتسمع … الخ الحديث "[98] "

ووجه الدلالة منه :
أنه لو كان سماع المزمار حراما ما أباحه النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر ، ولو كان عند ابن عمر حراما لما أباحه لنافع ، ولأمر عليه الصلاة والسلام بكسره .

وأما تجنب النبي صلى الله عليه وسلم سماعه فذلك لا يدل على الحرمة بل على التنزه كما كان يتجنب كثيرا من المباحات " [99] " وقد سبق مناقشة هذا الاستدلال عند ذكر الحديث في أدلة القائلين بالتحريم فلا حاجة إلى إعادته .

الدليل الثالث : روي عن عامر بن سعد قال : دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوارٍ يغنين فقلت : أي صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بدر يفعل هذا عندكم . فقالا : اجلس إن شئت فاستمع معنا وإن شئت فاذهب فإنه رخص لنا اللهو عند العرس " [100] " .

وجه الدلالة :
من هذا الحديث : أنه قد رخص في الغناء في العرس ويقاس عليه غيره لأنه ليس فيه ما يدل على النهي عنه في غيره " [101] ".

ويناقش هذا الاستدلال :
أن الغناء في العرس مع استعمال الدفوف إنما جاز لورود النص بحِله إذ قولهما : قد رخص لنا اللهو في العرس يدل على أن ما عدا ذلك يبقى على الحظر إلا ما ورد الدليل بإباحته كالعيد ونحوه .

الدليل الرابع :
ورد عن بريدة أن جارية سوداء قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجوعه من بعض مغازيه : " إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى . قال لها : إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا فجعلت تضرب حتى دخل عمر فأمسكت …….. إلخ " [102] "

دل الحديث على جواز الغناء مع استخدام الآلة مطلقا ؛ لأنه لو كان حراما ما أجاز لها ذلك ؛ لأنه معصية ولا نذر في معصية ، فكان الإذن لها منه بالضرب والتغني دليلا على أن ما فعلته مباح .

ويجاب عن هذا الاستدلال :
أن الحديث يدل على جواز الغناء وضرب الدفوف عند قدوم الغائب فقط ، فيبقى ما عداه على الأصل وهو المنع لعموم الأدلة السابقة الدالة على التحريم .

الدليل الخامس :
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرّ بجارية لحسان بن ثابت تغني وتقول : " هل علي ويحكما إن لهوت من حرج ، فقال : لا حرج إن شاء الله " [103] " دل الحديث على جواز الغناء حيث بين أنه لا حرج فيه ، وما لا حرج فيه يكون جائزا .

ويجاب : بأنه غير صالح للاستدلال لأن فيه راوٍ متروك كما اعتبره ابن الجوزي موضوعا .

الدليل السادس :
من الأثر ما روي عن عمر أنه قال : " الغناء زاد المسافر " [104] " فدل هذا القول من عمر على جواز الغناء للمسافر ، وإذا جاز للمسافر جاز لغيره إذ لا فرق " [105] "

أدلتهم من المقول :
استدل من أباح الغناء من المعقول بما يلي :
أ – أنَّا لو حكمنا بتحريم اللهو لكونه لهوا لكان جميع ما في الدنيا محرما ؛ لأنه لهوٌ قال تعالى : ) إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ( سورة الحديد ، وعلى فرض أنه لهو فهو مباح ، لأنه دواء للقلب من الإعياء والملل " [106] " .

ويناقش هذا الاستدلال :
بأنه لا حكم على جميع ما يصدق عليه مسمى اللهو ، لكونه لهوًا بل الحكم بتحريم لهو خاص وهو لهو الحديث المنصوص عليه في القرآن " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " الذي فُسِّر بأنه الغناء " [107] " .

ب – أن الغناء هو صوت طيب موزون مفهوم المعنى فلا يحرم ؛ لأن سماع الصوت الطيب من حيث إنه طيب لا ينبغي أن يحرم بل هو حلال . والشعر الذي يتغنى به كلام مفهوم ، فكان الكلام المفهوم غير حرام ، والصوت الطيب الموزون غير حرام ، فلا يحرم الغناء ؛ لأنه إذا لم يحرم الأحاد لم يحرم المجموع " [108] " .

ويناقش هذا الاستدلال :
بأن هذا القياس فاسد ؛ لأن العود من غير وتر لو ضُرب لم يحرم ، لأنه غير مطرب فإذا اجتمع العود مع الوتر وضرب عليهما على وجه مخصوص أوجب طربا يخرج عن حد الاعتدال فيحرم ، كما ينقض هذا القياس بالعنب وعصيره حيث هما حلال أكلا وشربا لكن إذا حدثت فيه شدة مطربة فإنه يحرم كذا هذا " [109] " .

المناقشة والترجيح :
بعد ذكر الأقوال والأدلة والاعتراضات التي وجهت إلى الأدلة وما أجيب به عن تلك الاعتراضات تبين لنا عدم رجحان قول على آخر بإطلاق للآتي :
أولا : أن الآيات التي استدل بها القائلون بالتحريم ليست قطعية في دلالتها على ذلك وإنما هي ظواهر وعمومات لا تدل على التحريم .

ثانيا : أن الأحاديث التي استدلوا بها على التحريم أكثرها لا يصح وما صح منها غير صريح في دلالته على تحريم الملاهي والغناء ولكنها إذا ضُم بعضها على بعض حسنت .
ثالثا : أن الآيات التي استدل بها القائلون بالحل ليست صريحة في دلالتها على ذلك وقد عارضها عموم وظواهر الأدلة التي استدل بها المانعون .

أما الأحاديث فهي إن دلت على إباحة الغناء في أوقات مخصوصة كالعيد والعرس وقدوم الغائب فلا تدل على حِلِّهِ في غيرها ، وحديث ابن عمر يدل على كراهة الغناء وسماعه أكثر مما يدل على إباحته .

رابعا : تعارض الآثار المروية عن الصحابة في ذلك فقد روي عن بعضهم الحل وعن البعض الآخر الحرمة ، ولهذا كان لا بد من التفريق بين غناء ، وغناء ، ووقت ، ووقت .
فنقول : الغناء قد يكون حراما وقد يكون مكروها وقد يكون حلالا .
متى يكون الغناء حراما ؟

الغناء يكون محرما في المواضع التالية :
إذا كان الشعر الذي يتغنى به محرما ، كأن يكون فيه فحش أو هجو لمسلم ، أو كذب على الله ، أو على رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو على الصحابة ، أو الكذب أو التفاخر المذموم ، أو القدح في الأنساب ، أو كان فيه دعوى إلى محرم ، كأن يصف فيه امرأة بعينها أو أمرد ، أو كان فيه وصف الخمر والحانات وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ، ويثير كامنها من حب اللهو ، ولا سيما إذا اقترن بذلك شبابات وطارات وغيرها من آلات اللهو " [110] " ومن أمثلة ذلك الشعر الذي يستثير النفوس باشتماله على ذكر القدود ، والخدود ، و الجمال ، والدلال ، والهجر، والوصال ، وخلع العذار، والوقار قول بعضهم :

ذهبي اللون تحسب من وجنتيه النار تقتدح
خوفوني مـن فضيحته ليته وافى وافتضح " [111] "

ومن أمثلة ذلك الشعر أيضا قول بعضهم :
خطت أناملها في بطـن قرطاس رسالـة بعـبـير لا بأنفـاس
أَنْ زُرْ فديتُك قِفْ لي غير محتشم فإن حبك قد شـاع في النـاس
فكان قولي لمن أدى رسالتها قف لي لأمشي على العينين والرأس " [112] "

فهذا الشعر وأمثاله ينبغي أن يحرم قوله والتغني به مطلقا كان بآلة أو غير آلة ، تغنى به رجل أو امرأة ، كان في عرس أو في عيد أو غيرهما لِما اشتمل عليه من المحرم أو الدعوة إلى ذلك ، وما أدى إلى الحرام فهو حرام ، ولا يجوز قياس ذلك على غناء الجاريتين عند عائشة رضي الله عنها ، أو على ما كان يسمعه بعض الصحابة ، أو ما تغنت به الجارية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كل هذا يحمل على ما كان بأشعار مباحة غير مشتملة على محرم أو دعوة إليه . وأين الغناء بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث من غناء أمرد مستحسن بآلات مستطابة وصناعة تجذب النفس إليها وغزليات يذكر فيها الغزال والغزالة ، والخال والقد والخد ، فهل يثبت هناك طبع ؟ .

إذا كان من يتغنى بذلك امرأة يخشى منها الفتنة :
إذا كان المغني امرأة أجنبية وكانت ممن يخشى منها الفتنة " [113] " فإنه يحرم الاستماع إليها ؛ لأنه لا يحل النظر إليها ، ولا يخلو حال المستمع من النظر . والنظر سهم مسموم من سهام إبليس ، ثم إن رفع الصوت منها محرم " [114] " وذلك لا يجوز لها أن تُؤَذِّنَ للرجال مع أنه عبادة كما لا يجوز لها أن ترفع صوتها بالتسبيح عند السهو في الصلاة ، وإنما جُعل لها التصفيق ، فإذا كان رفع الصوت منها محرما ؛ لأنه عورة فكيف برفع صوتها بالغناء ، خاصة إذا صاحب ذلك آلات مطربة ، وكَشْفُ لِمَا أمر الله بستره أو مخالطة الرجال لهن كما في الغناء أهل هذا الزمان ، فهذا ما ينبغي أن يحرم إن لم يكن لحرمة الغناء فلحرمة ما يصاحبه من معاصٍ واختلاط وفساد ، وما أدى إلى الحرام فهو حرام .

3 – إذا كان التغني لجمع المال فهو حرام بلا خلاف " [115] " .

الغناء المكروه :
يكون الغناء مكروها إذا خلا من الشعر الذي يتغنى به عن القبيح من القول وصاحبه آلات اللهو والتي وردت الأدلة بالنهي عنها كالمزمار والطبول وغيرها ، ولم يكن الغناء من أمرد أو امرأة " [116] " ، وإنما لم أقل بتحريم ذلك لما سبق أن ذكرناه أن هذه الأدلة لم يصح وما صح منها فهو غير صريح في التحريم ، غير أن هذه الأدلة إن ضُم بعضها إلى بعض قويت وأصبحت من قبيل الحسن لغيره ، فإن لم تقو على التحريم فلآ أقل من أن تدل على الكراهة .

الغـناء المـباح :
إذا خلا الشعر عن القبيح ولم تصاحبه آلات لهو أو صاحبته بعض الآلات ، وكان ذلك في عرس أو قدوم غائب أو عيد ونحو ذلك فإنه يجوز التغني به ونبين ذلك فيما يلي :

الحالة الأولى :
إذا كان المغني يترنم " [117] " لنفسه ليدفع عنها الوحشة أو ليستفيد نظم القوافي ، ويكون فصيح اللسان ، أو ليعظ نفسه بذلك الشعر ، فإن كل ذلك حلال ولا كراهة فيه
" [118] " إذا خلا عن الآلات التي هي من شعار شاربي الخمور ، والرجل والمرأة في ذلك سواء .


* * * ( اقرأها وأعطها لغيرك ولا تكتم العلم فتأثم ، ولا تنس الدعاء
لمن أهداها إليك ولمن كتبها )
ودليل ذلك :
1 – روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا دخل بيته يترنم بالبيت أو بالبيتين ، واستؤذن عليه لعبد الحمن بن عوف رضي الله عنه وهو يترنم فقال : أَسَمِعْتَنِي يا عبد الرحمن قال : نعم . قال : إنَّا إذا خلونا في منازلنا نقول كما يقول الناس " [119] " .

2 – ما روي عن أنس بن مالك أنه دخل على أخيه البراء بن مالك ، وكان من زهاد الصحابة وهو يتغنى " [120] " والمراد بالتغني هو الترنم مع المغني .

3- روي أن ناسا جاءوا إلى عمر بن الخطاب فذكروا له أن لهم إماما إذا فرغ من صلاته تغنى فسألهم عن اسمه فأخبروه به فذهب إليه في جمع من الصحابة وقال له بلغني عنك أمر ساءني فقال له الرجل : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال إنك تتمجن في عبادتك قال: لا يا أمير المؤمنين ولكنها موعظة أعظ بها نفسي فقال له : قل . فأنشد الرجل أبياتا منها :
يا قرين السوء مـا هذا الصبا فني العـمر كـدًا في اللعب
وشـبابي بان عني فمـضى قبـل أن أقـضي منـه أربي
ويـح نـفس لا أراها أبـدا في جمـيل لا ولا فـي أدب
نفسي لا كنت ولا كان الهوى راقبي المولى وخافي وارهبي

فردد عمر البيت الأخير ، ثم قال على هذا فليغن من غنى " [121] "

الحالة الثانية :
إن سمع الرجل غناء جاريته ولم يكثر من ذلك ، لم يكن في السماع " [122] " بأس وعلى هذا يُحمل ما روي عن عبد الله بن جعفر أنه كان يسمع من جواريه ويصوغ لهن الألحان .



الحالة الثالثة
الغناء الذي ينشط على الأعمال الشاقة ، إذا كان بكلام حسن فلا حرج فيه ومن ذلك :
1- الرجزيات التي يتغنى بها العمال كالفلاحين والبنائيين وغيرهم من أصحاب الأعمال الشاقة . ويروحون بها عن أنفسهم عناء العمل ، وذلك الغناء جائز ، ودليل ذلك فعل الرسول والصحابة في حفر الخندق .

فقد روي عن البراء أنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره وكان رجلا كثير الشعر وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة :

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنـزلن سكينة علـينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأعداء قد بغوا علينا إذا أرادوا فـتنة أبينا

ثم يمد صوته بآخرها " [123] "

كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينقل اللبن مع القوم في بناء المسجد وهو يرتجز بهذا البيت .
هـذا الحمال لا حمـال خيبر هـذا أبـر ربنا وأطهـر
ويقول :
اللهم إن الأجر أجر الآخـرة فارحم الأنصار والمُهاجرة " [124] "

كما روي عن أنس أنه قال : كانت الأنصار يوم الخندق تقول :
نحــن الذين بايعوا محمدا على الجـهاد ما بقـينا أبدا


فيجيبهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :
اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة " [125] "

ويمكن أن يقاس على هذا ما يكون من أناشيد تشجع على الحرب والدفاع عن الأرض والعرض والتذكير بأيام المجد ، وهي التي تسمى اليوم بالأناشيد الوطنية وهذه الأناشيد ينبغي أن لا يكون في التغني بها بأسًا ؛ لِما تشتمل عليه من الحث على العمل لنصرة الدين والأوطان ببذل النفس والمال وكل مرتخص وغال ، وعدم اشتمالها على الفاحش من القول .

2- ومن ذلك الحداء : " [126] "
فهو يهون على المسافرين ودوابهم مشقة السفر ، وهو نوع من الشعر يؤدى بصوت طيب ولحن موزون ، وقد عرفه بعضهم فقال " [127] " : الحداء وهو تحسين الصوت بالشعر .

وأصل الحداء : هو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فأدرك ركْبَا من بني تميم معهم حاد فأمرهم أن يحدوا ، وقال : إن حادينا وَنَى " [128] " من آخر الليل . قالوا : يا رسول الله نحن أول العرب حداء بالإبل قال : وكيف ذلك قالوا : كانت العرب يُغير بعضها على بعض فأغار رجل منا فاستاق إبلا فتبددت فغضب على غلامه فضربه بالعصى فأصاب يده فقال الغلام : وايداه وايداه . قال : فجعلت الإبل تجتمع . فقال : هكذا فافعل قال والنبي صلى الله عليه وسلم يضحك فقال : ممن أنتم ؟ قالوا نحن
من مُضر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ونحن من مُضر ، فانتسب تلك الليلة حتى بلغ في النسبة إلى مُضر " [129] " .

والحداء جائز بغير خلاف " [130] " ودليل ذلك ما يلي : -
أ- روي عن عائشة أنها قالت : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء ، وكان مع الرجال ، وكان أنجشة مع النساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله : " حَرِّكْ بالقوم فاندفع يرتجز فتبعه أنجشة فأعنقت الإبل " [131] " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أنجشة رويدك بالقوارير " [132] " .

ب- روي عن سلمة بن الأكوع قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم : يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك ، وكان عامر بن الأكوع رجلا شاعرا فنزل يحدوا بالقول يقول :

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصـدقنا ولا صلـينا
فاغفر فـداء لك ما بقينا وثبـت الأقـدام إن لاقـينا
وألقين سكـينة علـينا إنا إذا صيـح بنـا أبـينا
وبـالصــياح عـولـوا عـلـيـنـا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من هذا السائق قالوا عامر بن الأكوع فقال : يرحمه الله " [133] " فالحداء لم يزل من عادة العرب في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزمان الصحابة بعده ، وما هو إلا أشعار تؤدى بأصوات طيبة وألحان موزونة ، ولم ينقل عن أحد منهم إنكاره بل ربما كانوا يلتمسون ذلك تارة لتحريك لجمال وتارة للاستلذاذ والاستمتاع به " [134] " .

الحالة الرابعة : الغناء في العرس :
من المواطن التي أبيح فيها الغناء بالنص النكاح حيث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح " [135] " .

كما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال " [136] " وفي لفظ " أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف " [137] " .

كما روي عن عائشة أنه زفت امرأة من إلى رجل من الأنصار فقال صلى الله عليه وسلم : يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو " [138] " وفي رواية " إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم " [139] " .

كما روي عن الربيع بنت معوذ قالت جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل صبيحة يوم بُنِيَ عليَّ فجلس على فراشي فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إذ قالت واحدة منهم : وفينا رسول الله يعلم ما في غد فقال : دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين " [140] " .

وكما روى كعب بن عامر بن سعد قال : دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوارٍ يغنين فقلت : أي صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بدر يُفعل هذا عندكم . فقالا : اجلس إن شئت فاستمع معنا وإن شئت فاذهب فإنه رخص لنا اللهو عند العرس " [141] " .

وهذه الأحاديث وإن كان في بعضها مقال إلا أنها يعضد بعضها بعضا فتصلح لأن تكون دليلا على جواز الغناء وضرب الدفوف " [142] " لإعلان النكاح لكن بشرط ألا يصحبه محرم من التغني بصوت رخيم من أجنبية بشعر فيه وصف الخدود والقدود ، وإنما يُنْظَرُ الأسلوب العربي الذي كان في عصره صلى الله عليه وسلم كما في قوله : لو بعثتم معها من يقول :

أتـينــاكم أتـيـناكم
فحـيانا وحيـاكم
ولولا الـذهب الأحـمر
ما حـلت بواديكم
ولولا الحنطة السمراء
ما سمنت عذاريكم
فإن كان الغناء بما يهيج الشرور كالشعر المشتمل على وصف الجمال والفجور ومعاقرة الخمور فإن ذلك يحرم في النكاح كما يحرم في غيره " [143] " .

والأفضل : أن يكون ذلك ( يقصد الغناء المباح للعرس لا غيره ) عند النساء خاصة ؛ لأن الأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء فلا يلتحق بهن الرجال ؛ لعموم النهي عن التشبه بهن " [144] " فإذا حدث اختلاط بين الرجال والنساء أو كان الغناء بشعر غير مباح ، أو كان من امرأة يخشى منها الفتنة ، فإنه يحرم لا لنفسه بل لما خالطه من الشرور ، وإذا صاحب الغناء آلات أخرى غير الدف كالمزمار والعود فالأصح أنه يكره " [145] " .

الحالة الخامسة : الغناء في العيد : -
من المواطن التي أبيح فيها الغناء بالنص أيام الأعياد ورد ذلك في حديث عائشة رضي اله عنها قالت : " دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه فجاء أبو بكر فانتهرني وقال : أمزمارة "[146] " الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا وكان يوم عيد يلعب السودان بالدروق والحرب " [147] " .

وفي رواية أخرى عنها قالت : " دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جوار الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث قالت : وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر : أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم عيد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا " [148] " .

فقد دل قوله صلى الله عليه وسلم : " إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا " على إباحة ذلك الغناء والدف بسبب هذه المناسبة ؛ لأن أبا بكر لما أنكر عليهما ذلك حيث تقرر عنده منع الغناء واللهو ، أوضح له النبي صلى الله عليه وسلم الحال ، وعرفه الحكم مقرونا ببيان الحكمة بأنه يوم عيد أي يوم سرور شرعي فلا يُنْكَر مثل هذا في الأعراس " [149]".


إذا كان الغناء جائزا في يوم العيد فعلا وسماعا ، فينبغي أن يقيد ذلك ببعض القيود فلا يكون في الكلام الذي يتغنى به قبيح أو دعوة إليه ، وألا يكون من امرأة يُخشى منها الفتنة ، وألا يصاحب ذلك آلات اللهو المطربة كالعود والنايات وغيرها ، فقد دل قول عائشة : " وليستا بمغنيتين " على أنهما ليستا ممن يُحسن الغناء الذي فيه تمطيط وتكسير وعمل يحرك الغرائز ويوقظها ، وأن عدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم دالٌ على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره إذ لا يُقِرُّ على باطل ، والأصل التنزه عن اللهو واللعب فيُقتصر على ما ورد فيه النص وقتًا وكيفًا تقليلا لمخالفة الأصل " [150] " .

الحالة السادسة : الغناء لقدوم الغائب : -
من المواطن التي يباح فيها الغناء عند قدوم الغائب ، ورد ذلك فيما روي عن بريدة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول : إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى . قال لها : إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا فجعلتَ تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان ليخاف منك يا عمر " [151] " .

كما روي عن أنس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلما دخلها جاء الأنصار برجالها ونسائها فقالوا إلينا يا رسول الله فقال : دعوا الناقة فإنها مأمورة فبركت على باب أبي أيوب فخرج جوارٍ من بني النجار يضربن بالدف وهن يقلن :
نحن بنات من بني النجار حبذا محمد من جار
فَهَمَّ أبو بكر بالزجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعهن يا أبا بكر حتى تعلم يهود أن ديننا فسيح " [152] " .
كما روي أن أهل المدينة كانوا ينشدون عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا :
طلع البـدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعـا لله داع " [153] "
فقد دلت هذه المرويات على جواز الغناء وضرب الدفوف عند القدوم من الغيبة إذ لو كان حراما لَما أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم للجارية أن تضرب وتغني حتى وإن كان في ذلك وفاء بنذرها ، إذ لا نذر في معصية الله فكان الإذن دليلا على أن ما فعلته ليس بمعصية في مثل هذا الموطن ، وكذلك عدم إنكاره على جواري بني النجار فعلهن بل نهيه لأبي بكر عن زجرهن دليل على جواز ذلك في مثل هذا الموضع

كل ذلك إن خلا الغناء عن القبيح من القول ، وأُمِنَتْ الفتنة ممن تغني كما سبق وإلا منع ، وإذا جاز الغناء في العرس والعيد وعند قدوم الغائب فهل يقاس عليه الختان والولادة والعقيقة وكل حادث سرور أم يقتصر الحل على موضع النص ، اختلف الفقهاء في ذلك فمنهم من قال بالحِلِّ " [154] " إذ هي في معنى العرس وقدوم الغائب فيباح فيه الغناء والدف . ومنهم من قال بالكراهة " [155] " لعموم الأدلة القاضية بالمنع وإنما خص منها ما ورد به الدليل فاقتصر عليه فلا يقاس على غيره .

خلاصة البحث في حرمة الغناء :
والذي أراه راجحًا هو جواز الغناء في هذه المواطن وكل حادث سرور إذا خلا اللفظ عن القبيح ولم يشتمل على ما يهيج النفوس ويثير الغرائز ، وإذا أُمِنَتْ الفتنة ولم يصحب ذلك الغناء آلات اللهو المطربة كالعود والنايات ونحوها ، وكان ذلك الغناء عند النساء دون الرجال وإلا منع ، وإذا كان التغني لجمع المال فهو حرام بلا خلاف " [156] " والله أعلم .

المبحث الثاني
الآثار المترتبة على القول بحل الغناء وحرمته
سبق أن عرفنا آراء العلماء في حكم الغناء وقد اتضح لنا من خلال الترجيح أن من أباحه منهم لم يبحه على إطلاقه ، كما أن من حرمه منهم لم يحرمه على إطلاقه ، وقد سبق بيان ذلك مفصلا .

غير أن هناك أحكاما كثيرة يتوقف معرفتها على معرفة حكم الغناء لذا أردنا أن نتعرض لها في هذا البحث ونبين آراء الفقهاء فيها .

وكان بحثنا لها في جملة مطالب :
المطلب الأول : حكم بيع آلات الغناء .
المطلب الثاني : حكم إتلاف هذه الآلات .
المطلب الثالث : إجارة لآلات الغناء ومن يغنون .
المطلب الرابع : الحكم في شهادة أهل الغناء .
المطلب الخامس : من دعي إلى وليمة وفيها غناء .
المطلب السادس : حكم الوصية بآلات الغناء .






* * * ( اقرأها وأعطها لغيرك ولا تكتم العلم فتأثم ، ولا تنس الدعاء
لمن أهداها إليك ولمن كتبها )
المطلب الأول
حكم بيع آلات الغناء :
اختلف الفقهاء في حكم بيع آلات الغناء من عود ومزمار ودف وطبل ونحو ذلك على ثلاثة أقوال :

1 – الإمام أبو حنيفة " [157] " وإن كان يقول بحرمة الغناء وحرمة سماع هذه الآلات إلا أنه يرى جواز بيع هذه الآلات مع الكراهة .

ووجه قوله :
أن هذه الآلات أموال مملوكة له يمكن الانتفاع بها في وجه مشروع غير الغناء كأن يُجْعَل ظروفا لأشياء أو غير ذلك من المصالح المباحة ، وإذا جاز الانتفاع بها في وجه مباح لم تخرج عن كونها أموال مملوكة ، له أن يتصرف فيها تصرف الملاك بالبيع وغيرها .

وأما وجه الكراهة عنده :
وهو أن بيعها ربما أدى إلى استعمالها في التلهي غير المشروع فكره ذلك .

2 – ابن حزم الظاهري " [158] " : يرى جواز بيع هذه الآلات من غير كراهة وسواء استُخْدِمَتْ في الغناء أو في غيره .

ووجه قوله : أنها أموال مملوكة لصاحبها كغيرها من الأموال وهي معدة لاستخدام مشروع فجاز بيعها كسائر الأموال .

ومعنى هذا القول أن الغناء حلال فكان بيع الآلات جائزا .
وقد استدل على حل الغناء بأدلة كثيرة سبق أن ذكرناها ، وكما يجيز ابن حزم بيع آلات الغناء فأنه يجيز بيع الآمة للغناء .


ويَسْتَدِل لذلك بأن عبد الله بن جعفر وهو صحابي أشترى أمة مغنية .

روى ابن حزم بسنده إلى ابن سيرين قال : إن رجلا قدم المدينة بجوارٍ فنزل على عبد الله بن عمر وفيهن جارية تضرب فجاء رجل فساومه فلم يهو منهن شيئا ، قال : انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعا من هذا قال من هو قال عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه فأمر جارية منهن فقال : خذي العود فأخذته فغنت فبايعه ثم جاء إلى ابن عمر قال : إني غبنت بسبعمائة درهم فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر فقال له إنه غبن بسبعمائة درهم فإما أن تعطيها إياه وإما أن ترد عليه بيعه فقال بل نعطيها إياه " [159] "
ثم يقول ابن حزم في تعليقه على القصة فهذا عبد الله بن جعفر قد اشترى المغنية وهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعى في بيع المغنية . ولو كان الغناء حراما وبيع المغنية حراما ما فعله ابن عمر ولا عبد الله بن جعفر . كما استدل بعموم قوله تعالى : ) وأحل الله البيع ( وقوله ) وقد فصل لكم ما حرم عليكم ( ولم يأت نص بتحريم بيع شيء من ذلك .

القول الثالث :
وذهب إليه جمهور الفقهاء : المالكية " [160] " والشافعية " [161] " والحنابلة " [162] " وأبو يوسف ومحمد من الحنفية " [163] " يحرم بيع آلات الغناء كما يحرم بيع المغنيات .

وإنما بني هذا القول على قولهم بحرمة الغناء : فكانت هذه الآلات معدة لمنفعة محرمة شرعا ، فهي موضوعة للفسق والفساد ، ومعدة للتلهي فلم تكن أموالا شرعا فلم يجز بيعها كالخمر والخنزير . فكل ما يقصد به الحرام فهو حرام . فإن بِيعَ كان العقد باطلا ؛ لأنه عقد على عين موضوعة لمعصية الله بها فلم يصح .

كما استدلوا على حرمة بيع المغنيات للغناء بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يجوز بيع المغنيات ولا أثمانهن ولا كسبهن " [164] "

فهذا الحديث محمول على بيعهن من أجل الغناء ، أما ماليتهن الحاصلة بغير الغناء على أنها مجرد جارية فل تبطل ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن رجل مات وخلف وجارية مغنية وقد احتاج الصغير إلى بيعها قال : تباع ساذجة – غير مغنية – فقيل : إنها إذا بيعت على أنها مغنية ساوت ثلاثين ألفا وإن بيعت على أنها ساذجة لا تساوي إلا عشرين . قال : لا تباع إلا على أنها ساذجة " [165] ". فلو كان يجوز بيعها من أجل الغناء ما جاز إهدار تلك المالية على هذا الصبي الصغير .

الترجيح :
بعد أن ذكرنا الأقوال وأوجهها تبين لنا أن هذه الأقوال مبنية على الخلاف السابق في حكم الغناء فمن قال : يحل الغناء مطلقا أجاز البيع ، ومن قال بالحرمة لم يجز البيع غير أن الإمام أبا حنيفة مع كونه من القائلين بحرمة الغناء وحرمة الاستماع إلى الآلات إلا أنه أجاز البيع مع الكراهية لا على أنها آلات لهو بل على أنها أمـوال يمـكن استخدامها في غير هذا الوجه حتى لا تهدر ماليتها فيكون في ذلك إتلافا للمال على مالكه . لكن يمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال بأن القول بجواز بيعها على أن تستخدم استخداما آخر غير التلهي أن يفتح الباب أمام الفسقة فيبعونها ويشترونها ثم يستخدمونها في المعصية فمن باب سد الذرائع يكون القول بالمنع أولى من الجواز .

أما الجواب عن قول ابن حزم بالحل مطلقا فيجاب عنه بأنه قد صحت بعض الأدلة في تحريم الغناء والآلات كما صحت بعض الأدلة على جواز الغناء فيه وبهذا أيضا يمكن أن يرد على الجمهور .

وعلى هذا فإنه يمكننا القول بأنه قد وردت الأدلة بجواز استخدام الدف في النكاح وغيره من حوادث السرور وقدوم الحاج ورجوع الغازي ونحو ذلك . إذا جاز استخدام الدف في هذه الأمور كان استعماله مباحا وما أُبيح استعماله حل بيعه وعلى هذا يمكننا القول بجواز بيع الدف وبعض أنواع الطبول التي أبيح استخدامها والتي أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم الضرب بها والاستماع إليها ، أما غير ذلك من الآلات كالعود والمزمار وغيرهما مما يساعد على إثارة الغرائز ويغلب استخدامه عند الفسقة من الناس فلا يجوز بيعه ولا شراؤه . والله أعلم .

المطلب الثاني
حكم من أتلف آلات الغناء
إذا أتلف شخص لآخر دُفًا أو نَايًا أو عودا أو غير ذلك من آلات اللهو فهل يضمنها له ؟ كما لو أتلف له مالا متقوما شرعا أم لا يضمنها له كما لو أتلف له خمرا أو خنزيرا ؟ .

1 – من ذهب إلى القول بحِل الغناء كابن حزم " [166] " ومن وافقه .
يرى أن من أتلف من هذه الآلات شيئا وجب عليه ضمانه ؛ لأنها أموال متقومة شرعا فكانت كغيرها من الأموال المحترمة في نظر الشرع ولأن ما حل بيعه وملكه وجب ضمانه ، فيضمن على من أتلفه ما لم يكن صورة مصورة وإلا لم يضمن .

أما جمهور الفقهاء القائلون بحرمة الغناء وحرمة هذه الآلات .
فأقوالهم في الضمان وعدمه كالتالي :

1 – الإمام أبو حنيفة " [167] " :
يرى أن هذه الآلات مضمونة على من أتلفها بالقيمة لا على أنها آلات وإنما تُضمن خشبا مصنوعا وقيل خشبا ألواحا . بمعنى أنها لا تضمن بالقيمة على أنها آلات للغناء ، بل تلغى هذه الصفة وتضمن بقيمتها على أنها خشب مصنوع أو غير مصنوع.

ووجهه في هذا :
أن هذه الآلات كما تصلح للهو والفساد فإنها تصلح لأن ينتفع بها من وجه آخر مشروع . وإذا كانت كذلك كانت مالا متقوما من ذلك الوجه ومن أتلف مالا متقوما ضمنه بالمثل إن كان مثليا أو بالقيمة إن لم يكن مثليا .

2 – الشافعية " [168] " : يفرقون بين فصل هذه الآلات وكسرها .
فإن فصل آلة الغناء كالمزمار لم يلزمه شيء ؛ لأن ما أزاله لا قيمة له حيث إن ما كانت منفعته محرمة يكون محرما والمحرم لا قيمة له شرعا وما لا قيمة له لا يضمن بالإتلاف كالخمر والخنزير .

أما إن كسر تلك الآلة ، وكان إذا فصلها تصلح لمنفعة مباحة ، وإذا كسرها لم تصلح فإنه يلزمه ما بين قيمتها مفصولة ومكسورة ؛ لأنه بالكسر أتلف ما له قيمة فلزمه ضمانه . وإن كانت لو فصلها لم تصلح لمنفعة مباحة لم يلزمه شيء ؛ لأنه لم يتلف ما له قيمة .

3 – المالكية والحنابلة " [169] " وأبو يوسف ومحمد من الحنفية " [170] " :
من كسر من هذه الآلات لم يضمنه ؛ لأن هذه آلات لهو وفساد فلم تكن متقومة شرعا فكانت كالخمر والخنزير وما لم يكن متقوما لا يحل بيعه كالميتة .
ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بعثت بمحق المعازف والقينات " فلو كانت هذه الآلات مالا متقوما ما جاز محقها ، وما لا مالية له لا يضمن .

الترجيح :
والذي أراه راجحا من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة من وجوب الضمان على من أتلف هذه الآلات ؛ لأنها أموال تصلح لأن ينتفع بها في وجه آخر مشروع ، فكان إتلافها تضييع لماليتها من هذا الوجه ، ولأنا لو أبحنا لكل أحد أن يتلف هذه الآلات على أصحابها لأدى ذلك إلى شر كبير وفساد أكبر من الفساد الذي يترتب على استخدامها في اللهو والغناء ، والضرر لا يزال بالضرر خاصة إذا كان أشد .
والله أعلم .

المطلب الثالث
حكم إجارة آلات الغناء ومن يغنون
أ – آلات الغناء منها ما هو مباح الاستعمال كالدف للعرس وهذا باتفاق الفقهاء ومنها ما هو محل خلاف بينهم ما بين مُحَرِّم لاستعماله ومُبيح ، فإذا أراد إنسان أن يستأجر شيئا من هذه الآلات فقد اختلفت أقوال الفقهاء في جواز ذلك وعدمه على النحو التالي :

ابن حزم " [171] " :
يرى جواز استعمال هذه الآلات مطلقا ، وبالتالي فإنه يباح كراؤها ؛ لأنه كراء لمنفعة مباحة أشبه إجارة الأرض للزراعة والدار للسكنى والرجل لعمل معين إلى غير ذلك لكل ما يستأجر لاستيفاء منفعته .

أما جمهور الفقهاء " [172] " فرغم أنهم يقولون بجواز الدف في النكاح بلا خلاف بينهم في ذلك وجواز الطبول أيضا في العرس ، مع الاختلاف فيه فإنهم يقولون بكراهة كرائها سدا للذريعة إذ لو جاز كراؤها في العرس لتوصل بذلك إلى كرائها في غيره ، وما أدى إلى ممنوع كان ممنوعا .

وأما كراء الدف والطبول في غير العرس فهو حرام لحرمة الاستعمال وكذلك بقية الآلات يحرم كراؤها في العرس وغيره لحرمة استعماله وما كانت منفعته محرمة حرم كراؤه كما لو أجَّرَ أمته للزنا ، إذ الزنا محرم أخذ الأجرة عليه .

وإذا عقد إنسان على شيء من هذه الآلات عقد إجارة كان العقد باطلا " [173] " لأنه عقد على عين لمعصية الله بها فلم يصح ؛ ولأن التحريم لما كان لحق الله أفسد العقد حتى لو تراضى عليه الطرفان إذ التراضي على فعل ما نهى الله عنه لا يُحِلّ الأموال كما لو تراضيا على التبايع بالربا حيث لا يحل المال ، كذا هذا .

فإذا أجّر إنسان شيئا من هذه الآلات وأخذ في مقابل ذلك مالا فإنه لا يحل له
" [174] " ويجب عليه رد ذلك المال على أربابه إن عُلِمُوا وإلا وجب عليه أن يتصدق به ، هذا إذا كان المال مأخوذا بالشرط في العقد ، فإن لم يكن مشروطا بل أُعطِيَ له كتبرع ليس في مقابل منفعة الآلات فقيل يباح ، وقيل : لا يباح له وهو الأصح ؛ لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا ؛ لأن الغالب أن من يفعل ذلك لا يفعله إلا في مقابل أجر فصار كأنه مشروط ، وإنما قلنا بوجوب رده أو التصدق به ؛ لأنه مأخوذ بغير مقابل ، إذ منفعة هذه الآلات محرمة شرعا فكان هذا المال من قبيل السحت ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به " [175] " فطريق التخلص من هذا المال هو الرد على صاحبه إن عُلِمَ أو التصدق به إن لم يُعلَم .

الكراء على الغناء :
إذا استأجر امرأة لتغني فهو على الخلاف السابق من يبيحون " [176] " الغناء مطلقا يجيزونه .

والجمهور " [177] " لا يجيزون ذلك ؛ لأنه استئجار على منفعة غير مقدورة الاستيفاء شرعا ، فكان الاستئجار عليها معصية ولا يجوز الاستئجار لفعل معصية . وإن تم العقد فهو باطل والمال المأخوذ به من قبيل السحت وأكل أموال الناس بالباطل .

فإن كان مأخوذا بالشرط لا يحل ويجب رده على أربابه إن عُرفوا أو التصدق به .
وما دفع إلى المغنين بغير شرط فقيل : يحل لهم لأنه ليس في مقابل منفعة بل هو نوع تبرع والتبرع جائز عليهم وعلى غيرهم . وقيل لا يحل لأن العرف أنهم لا يغنون إلا بأجر كالمشروط .



الإجارة على تعليم الغناء وآلات الغناء :
يرى جمهور الفقهاء " [178] " أن الإجارة على تعليم الغناء وآلات الطرب كالمزمار والعود والناي … إلخ غير جائز وعقدها باطل ، لأنه عقد على منفعة محرمة شرعا .
وما كان كذلك كان باطلا والعوض المأخوذ به حرام ؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل والله سبحانه يقول : ) يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (
النساء 29 .

الإجارة لكتابة الغناء :
إذا أجّر كاتبا ليكتب له الغناء فهل ذلك العقد جائز أم لا ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين :

الحنفية " [179] " :
يجوز ؛ لأن الممنوع عنه هو نفس الغناء لا كتابته . ولأن ذلك المكتوب لا يعدو أن يكون شعرا ، وكتابة الشعر جائزة بغير خلاف ما لم يفحش .

وقالت الحنابلة " [180] " :
لا يجوز الاستئجار لكتابة الغناء ؛ لأنه وسيلة إلى الحرام وهو الغناء وما كان وسيلة إلى الحرام فهو حرام .

والذي أميل إليه هو الرأي الأول ؛ لأن الشعر مما لا خلاف بين العلماء في جواز إنشائه وإنشاده ما لم يكن فيه ما يؤدي إلى التحريم .

· * * ( اقرأها وأعطها لغيرك ولا تكتم العلم فتأثم ،
ولا تنس الدعاء لمن أهداها إليك ولمن كتبها )

ليست هناك تعليقات: